محمد متولي الشعراوي

2827

تفسير الشعراوى

لقد كان للوحي صلصلة كصلصلة الجرس . وكأن هذا الصوت إعلان أن زمن وساعة الوحي قد جاءت فاستعد لها يا رسول اللّه . وعندما تعب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في البداية ، كان من رحمة اللّه به أن جعل الوحي يفتر عنه ، فيشتاق صلى اللّه عليه وسلم للوحي بسبب حلاوة ما أوحى إليه ، ويجعله هذا الشوق مستشرفا للمتاعب . وعندما فتر الوحي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال خصومه : رب محمد ودعه وجفاه . ولم يتذكروا أن لمحمد ربا إلّا في هذه المسألة بعد أن اتهموه بالكذب ولم يمتلكوا الذكاء حتى يعبروا عن هذا الأمر بتعبير لا يتناقض مع موقفهم السابق منه . وحين رأى الحق الإجهاد الحاصل لرسوله جعل الوحي يفتر ، حتى تبقى حلاوة ما يوحى به ويذهب التعب ويشتاق رسول اللّه إلى ما يوحى إليه . إن الشوق وتلك المحبة يجعلان رسول اللّه لا يشعر بوطأة الألم المادي البشرى ، والإنسان منا حين يذهب إلى حبيب له يسير في الشوك والوحل ولا يبالي . إذن ففتور الوحي كان لتربية الشوق في نفسه صلّى اللّه عليه وسلّم ليستقبل الوحي ، ولينتبه كل منا حين يقرأ قول اللّه سبحانه وتعالى : وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى ( 4 ) ( سورة الضحى ) أي أن ما سيأتي لك من بعد ذلك سيسرك . ويقول الحق بعدها : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ( 1 ) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ( 2 ) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ( 3 ) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ( 4 ) ( سورة الشرح ) وحين عرض الحق هذه المسألة بهذه الكيفية أراد أن يبلغنا : لا تظنوا أن رب محمد - كما يقولون - قد جفاه ، لا ، بل يعده ليستقبل أكثر مما جاء من قبل ، فسنن الكون أمامكم ، لكن كفرهم أعمى أبصارهم وبصيرتهم ، ويقول سبحانه : وَالضُّحى ( 1 ) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ( 2 ) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ( 3 ) ( سورة الضحى ) وسبحانه يقسم بما شاء على ما شاء . والضحى هو ضحوة النهار وهي محل الحركة